ابن كثير

225

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

وأعطوا فأعطينا ، حتى إذا تجاثينا على الركب ، وكنا كفرسي رهان ، قالوا : منا نبي يأتيه الوحي من السماء فمتى ندرك هذه ؟ واللّه لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه ، قال : فقام عنه الأخنس وتركه . وروى ابن جرير من طريق أسباط عن السدي في قوله قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ لما كان يوم بدر ، قال الأخنس بن شريق لبني زهرة : يا بني زهرة إن محمدا ابن أختكم فأنتم أحق من ذب عن ابن أخته ، فإنه إن كان نبيا لم تقاتلوه اليوم ، وإن كان كاذبا كنتم أحق من كف عن ابن أخته ، قفوا حتى ألقى أبا الحكم ، فإن غلب محمد رجعتم سالمين ، وإن غلب محمد ، فإن قومكم لم يصنعوا بكم شيئا - فيومئذ سمي الأخنس وكان اسمه أبيّ - فالتقى الأخنس وأبو جهل ، فخلا الأخنس بأبي جهل فقال : يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب ، فإنه ليس هاهنا من قريش غيري وغيرك يستمع كلامنا ؟ فقال أبو جهل : ويحك واللّه إن محمدا لصادق ، وما كذب محمد قط ، ولكن إذا ذهبت بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والنبوة ، فماذا يكون لسائر قريش ؟ فذلك قوله فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ فآيات اللّه محمد صلّى اللّه عليه وسلم . وقوله وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا هذه تسلية للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وتعزية له ، فيمن كذبه من قومه ، وأمر له بالصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ، ووعد له بالنصر كما نصروا ، وبالظفر حتى كانت لهم العاقبة ، بعد ما نالهم من التكذيب من قومهم والأذى البليغ ، ثم جاءهم النصر في الدنيا كما لهم النصر في الآخرة ، ولهذا قال وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ أي التي كتبها بالنصر في الدنيا والآخرة لعباده المؤمنين ، كما قال وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ [ الصافات : 171 - 172 - 173 ] وقال تعالى : كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [ المجادلة : 21 ] وقوله وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ أي من خبرهم ، كيف نصروا وأيدوا على من كذبهم من قومهم ، فلك فيهم أسوة وبهم قدوة . ثم قال تعالى : وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ أي إن كان شق عليك إعراضهم عنك فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : النفق السرب ، فتذهب فيه فتأتيهم بآية ، أو تجعل لك سلما في السماء ، فتصعد فيه فتأتيهم بآية ، أفضل مما آتيتهم به فافعل « 1 » . وكذا قال قتادة والسدي وغيرهما . وقوله وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ كقوله تعالى : وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً [ يونس : 99 ]

--> ( 1 ) الأثر في تفسير الطبري 5 / 183 .